تتجه الحكومة إلى إعادة تنظيم نشاط التطوير العقاري عبر مشروع قانون جديد يناقشه الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، مع عدد من المطورين، في إطار بحث قواعد أكثر وضوحًا لممارسة النشاط، وتصنيف الشركات، والتعامل مع المشروعات المتعثرة، إلى جانب وضع آليات لحماية الحاجزين وتنظيم العلاقة بين أطراف السوق.
الحكومة تعيد تنظيم نشاط التطوير العقاري
استكمال مناقشة مقترح مشروع قانون تنظيم السوق العقارية يعكس تركيز الحكومة على وضع إطار أكثر تنظيمًا لنشاط التطوير العقاري، في ظل اتساع حجم المشروعات ودخول القطاع الخاص في تنفيذ مشروعات سكنية وتجارية وسياحية.
ويركز المقترح على أن تكون ممارسة النشاط مرتبطة بقدرات مالية وفنية ومهنية واضحة، خاصة أن شراء الوحدة العقارية يرتبط بالتزامات مالية كبيرة بالنسبة للمواطن، بينما يمكن أن تظهر المشكلات بصورة أكبر عند تأخر التنفيذ أو عدم الالتزام بمواعيد التسليم.
وتأتي المشروعات المتعثرة وتأخر بعض عمليات التسليم ضمن الملفات التي تفرض الحاجة إلى قواعد تحدد كيفية التعامل مع كل حالة، بدلًا من النظر إلى السوق أو جميع المطورين باعتبارهم في وضع واحد.
تصنيف المطورين يحدد قدرات الشركات
من أبرز التصورات المطروحة في مشروع القانون وضع نظام موحد لتصنيف وترتيب المطورين العقاريين، بالاستناد إلى مجموعة من المعايير التي تتعلق بحجم الأعمال، والملاءة المالية، والقدرات الفنية والتشغيلية.
ويستهدف هذا التصنيف التفرقة بين الشركات وفق إمكاناتها وخبراتها وسجل تنفيذ المشروعات، بحيث لا يتم التعامل مع شركة تمتلك خبرة وقدرات مستقرة بالطريقة نفسها التي يتم بها التعامل مع كيان لا يمتلك الإمكانات اللازمة لتنفيذ مشروع كبير.
وتتوقف فاعلية التصنيف على دقة المعايير التي سيجري اعتمادها، ووضوح أسس التقييم، إلى جانب مراجعة التصنيف وتحديثه بصورة دورية. وبذلك لا يصبح التصنيف مجرد إجراء إداري، وإنما وسيلة لقياس قدرة المطور على تنفيذ المشروعات والوفاء بالتزاماته.
هل يضع القانون آلية واضحة لحماية الحاجزين؟
تمثل حماية الحاجزين أحد أبرز الاختبارات أمام مشروع القانون، إذ إن آثار التعثر لا تتوقف عند العلاقة التعاقدية، وإنما تمتد إلى المواطن الذي قد يستمر في تحمل التزاماته المالية بينما يواجه المشروع تأخرًا في التنفيذ أو التسليم.
ولهذا يبرز ضمن النقاش عدد من التساؤلات المتعلقة بتحديد مفهوم التعثر، والمرحلة التي يمكن عندها اعتبار المشروع متعثرًا، والإجراءات التي تبدأ بمجرد ظهور مؤشرات الأزمة، فضلًا عن تحديد مسئوليات المطور والجهات المختصة تجاه العملاء.
وتتطلب حماية الحاجزين أيضًا تحديد كيفية التعامل مع المشروعات التي يمكن استكمالها أو إعادة تشغيلها، وما الذي يحدث في الحالات التي يتعذر فيها استمرار التنفيذ، بما يضمن وجود إجراءات واضحة للتعامل مع حقوق العملاء.
ولا تقتصر المسألة على إدراج حماية الحاجزين ضمن نصوص القانون، إذ ترتبط الفاعلية الحقيقية بآليات التنفيذ واللوائح المنظمة وسرعة تدخل الجهات المختصة عند ظهور المشكلات.
اتحاد المطورين يدخل ضمن منظومة التنظيم
يتضمن المقترح إنشاء «الاتحاد المصري للمطورين العقاريين»، ليكون كيانًا مهنيًا يشارك في تنظيم ممارسة النشاط، ووضع ميثاق شرف، واقتراح قواعد تصنيف وترتيب الشركات، إلى جانب المساهمة في فض المنازعات وتنظيم العلاقة بين أطراف القطاع.
ويمنح هذا التصور المطورين المؤهلين دورًا في إدارة بعض شؤون المهنة من خلال كيان متخصص، مع استمرار الدور التنظيمي والرقابي للدولة.
ويأتي الاتحاد المقترح بالتوازي مع الاتجاه إلى وضع قواعد أكثر تحديدًا للتصنيف، بما يربط ممارسة النشاط بقدرات الشركات، ويتيح التعامل مع المطورين وفقًا لإمكاناتهم الفنية والمالية.
التعامل مع المشروعات المتعثرة يحتاج إلى تقييم كل حالة
تعمل الحكومة، وفقًا لما ورد في المناقشات، على حصر المشروعات المتعثرة على مستوى الجمهورية بالتنسيق بين وزارة الإسكان والجهات الرقابية، بهدف تحديد حجم الحالات وأسباب المشكلات والوصول إلى حلول لها.
وتختلف أسباب التعثر من مشروع إلى آخر؛ فقد ترتبط بنقص التمويل، أو ارتفاع تكاليف التنفيذ، أو مشكلات تخص الأراضي والتراخيص، أو ضعف الإدارة، أو تغير ظروف السوق. ولذلك فإن معالجة جميع الحالات من خلال إجراء واحد قد لا تكون مناسبة لكل المشروعات.
ويحتاج كل مشروع إلى تقييم منفصل يحدد طبيعة المشكلة وإمكانات استكمال التنفيذ، وما إذا كانت الحالة تحتاج إلى إعادة هيكلة أو تدخل مختلف أو إسناد المشروع إلى مطور آخر، بحسب ظروفها.
وفي الوقت نفسه، يستهدف التنظيم المقترح التعامل مع التعثر قبل تفاقمه، من خلال رفع مستوى التأهيل والرقابة والشفافية منذ المراحل السابقة على طرح المشروعات وتسويقها.
كيف يوازن القانون بين المطور الجاد والرقابة؟
خلال المناقشات، أكد المطورون ضرورة الفصل بين الشركات الجادة وغيرها، مشيرين إلى أن غالبية العاملين في القطاع من الشركات الجادة، وأن حالات التعثر لا تمثل السوق بالكامل.
وتبرز هنا أهمية وضع قواعد تحقق توازنًا بين الرقابة على الشركات التي لا تستوفي متطلبات الكفاءة، وبين عدم تحميل المطورين الجادين أعباء تنظيمية تعوق قدرتهم على التخطيط وتنفيذ المشروعات.
وفي المقابل، تحتاج الدولة إلى أدوات للتعامل مع الممارسات التي تضر بالعملاء أو تؤثر في الثقة بالسوق، وهو ما يجعل التصنيف والرقابة والتعامل مع حالات التعثر أجزاء مترابطة من الإطار المقترح.
القانون أمام اختبار التطبيق
تتركز فلسفة المشروع المطروح، وفق ما أعلنته الحكومة في المناقشات، حول تنظيم نشاط التطوير العقاري، وحماية المتعاقدين، وإتاحة دور مهني للمطورين المؤهلين من خلال اتحاد متخصص.
لكن تحويل هذه الأهداف إلى واقع يرتبط بوضوح قواعد ممارسة النشاط، ودقة معايير التصنيف، وفاعلية الرقابة، وسرعة التعامل مع المخالفات وحالات التعثر، إلى جانب تحديد مسئوليات مختلف أطراف العلاقة.
كما تكتسب المناقشات التي تسبق إحالة مشروع القانون أهمية في اختبار النصوص المقترحة أمام التحديات العملية التي تواجه الشركات والمواطنين، بما يساعد على صياغة قواعد تنظيمية واضحة.
وتظل حماية الحاجزين عنصرًا أساسيًا عند وضع الصياغة النهائية، إلى جانب تنظيم نشاط المطورين، بحيث تشمل المنظومة حقوق العملاء ومسئوليات الشركات ودور الجهات المختصة في متابعة المشروعات والتعامل مع أي مشكلات قد تظهر أثناء التنفيذ.

