نفى المهندس محمد البستاني، رئيس جمعية المطورين العقاريين ونائب رئيس شعبة الاستثمار العقاري، وجود فقاعة عقارية في مصر، موضحًا أن الفقاعة ترتبط بالمضاربة والاحتكار وارتفاع الأسعار بعيدًا عن القيمة الحقيقية للسلعة. وتناول كذلك حجم الطلب والمعروض، وتكاليف التطوير، وآليات حماية المطور والمشتري.
كيف تتكون الفقاعة العقارية؟
أوضح محمد البستاني، خلال مقابلة مع القناة الأولى المصرية، أن الفقاعة ليست ظاهرة مرتبطة بالعقارات فقط، وإنما يمكن أن تظهر في أي سلعة عندما تتدخل المضاربات أو الاحتكار في تحديد الأسعار بصورة تفوق القيمة الحقيقية للمنتج.
وأشار إلى أن احتكار سلعة وتخزينها بغرض رفع سعرها يمكن أن يقود إلى تكوين فقاعة، مستشهدًا بما حدث في وقت سابق مع بعض السلع الغذائية، ومنها الأرز، عندما جرى تخزين كميات منه قبل تدخل الدولة والإفراج عن المخزونات، وهو ما أدى إلى انخفاض السعر إلى النصف.
وأضاف أن الذهب شهد وضعًا مشابهًا تقريبًا قبل نحو عام، عندما أدت المضاربات في السوق المحلية إلى اختلاف السعر عن السعر العالمي، قبل أن ينخفض سعر الذهب بصورة مفاجئة بنحو 1000 جنيه، معتبرًا أن المضاربة كانت سببًا في تكوين الفقاعة في هذه الحالة.
لماذا يرى البستاني أن العقارات في مصر لا تشهد فقاعة؟
قال رئيس جمعية المطورين العقاريين إن الفقاعات العقارية التي شهدتها الولايات المتحدة خلال عامي 2008 و2009، وكذلك دبي، ارتبطت بتمويل ورهون عقارية بقيم تجاوزت القيمة الحقيقية للعقارات بأضعاف، ثم أدى تغير أسعار الفائدة إلى ظهور المشكلة وتراجع الأسعار إلى نحو الثلث أو الربع في الولايات المتحدة.
ويرى البستاني أن السوق المصرية تختلف عن تلك الحالات، موضحًا أن هناك مضاربة في العقارات، لكن الأرض تخضع لسيطرة الدولة، بينما تقترب أسعار خامات رئيسية مثل الحديد والأسمنت من الأسعار العالمية، وبالتالي لا توجد، بحسب تقييمه، مضاربة في أسعار هذه الخامات.
وأشار كذلك إلى أن السوق العقاري المصري يشهد معروضًا كبيرًا، بينما لا يوجد تقريبًا رهن عقاري، وهو ما يختلف عن الظروف التي ارتبطت بالفقاعات العقارية التي استشهد بها.
المعروض العقاري لا يعني خروج المستثمرين من السوق
تطرق البستاني إلى العقارات المعروضة لإعادة البيع على المنصات، موضحًا أن إحدى المنصات ظهرت في فترة تشهد تباطؤًا في المبيعات، بالتزامن مع شكاوى من بعض الشركات المتعثرة أو التي لم تلتزم بمواعيد التسليم.
وأكد أن وجود هذه المشكلات أمر قائم، لكن تقييمها يجب أن يرتبط بحجمها الحقيقي مقارنة بحجم السوق. وأشار إلى أن مبيعات القطاع العقاري خلال العامين الماضيين بلغت ما لا يقل عن 3 تريليونات جنيه، بينما تصل قيمة العقارات المعروضة للبيع على إحدى المنصات إلى 50 مليار جنيه.
وأوضح أن هذا الرقم لا يعني بالضرورة أن ملاك هذه العقارات يريدون الخروج من السوق، إذ توجد أسباب مختلفة للبيع، من بينها التعثر أو الرغبة في تحقيق مكاسب.
وأضاف أن العقارات التي تبلغ قيمة عروضها 50 مليار جنيه يتم طرحها بنحو 70 مليار جنيه، بما يعني أن أصحابها يطلبون أسعارًا أعلى، وهو ما يستدعي التفرقة بين من يريد التخارج فعليًا ومن يطرح وحدته للبيع لتحقيق ربح.
هل تراجع الطلب على العقار؟
أكد البستاني أن الطلب على العقارات لا يزال موجودًا، مشيرًا إلى أن حجم الوحدات المعروضة على المنصة يبلغ نحو ثلاثة أضعاف حجم الطلب عليها.
وأوضح أن ذلك لا يعني تحول العقار إلى استثمار خاطئ، لأن الوحدة العقارية ترتبط باحتياجات متعددة، سواء للسكن أو العمل، ومن بينها المكاتب والعيادات والمحلات التجارية.
ويرى أن العقار يمثل احتياجًا أساسيًا وأمانًا اجتماعيًا، لأن المسكن يرتبط باستقرار المواطن والأسرة، وعدم توافر المسكن الملائم ينعكس على حياة المواطن.
1.6 مليون وحدة لمحدودي ومتوسطي الدخل
أشار رئيس جمعية المطورين العقاريين إلى أن غالبية المصريين تنتمي إلى شرائح محدودي ومتوسطي الدخل، لافتًا إلى أن الدستور المصري ينص على حق المواطن في الحصول على مسكن.
وأوضح أن الدولة، منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي المسؤولية، بنت نحو مليون و600 ألف وحدة سكنية لمحدودي ومتوسطي الدخل، لكنه يرى أن هذا العدد لا يزال غير كافٍ في ظل الزيادة السكانية وما ينتج عنها من زيادة أعداد المواطنين ضمن هذه الشرائح.
التعاون بين الدولة والقطاع الخاص لحل أزمة السكن
طرح البستاني التعاون بين القطاعين العام والخاص والدولة باعتباره آلية للتعامل مع الاحتياجات السكنية، موضحًا أنه عقد أكثر من اجتماع مع وزير الإسكان السابق ووزيرة الإسكان الحالية المهندسة راندة المنشاوي لبحث آليات التعاون.
وتقوم الآلية المقترحة، وفقًا لما أوضحه، على إتاحة الدولة الأراضي بأسعار منخفضة أو دون مقابل، بينما يتولى المطور تنفيذ الوحدات، ويحصل على نسبة منها قد تصل إلى 50% أو 60% أو 70%، وتحصل الدولة على النسبة المتبقية وتقوم بتوزيعها وفق آلياتها.
كما يوزع المطور الوحدات التي يحصل عليها وفق القيود التي تحددها الدولة. وأشار إلى تنفيذ طرح بالفعل وبدء بعض الشركات العمل بهذه الآلية، إلا أن نتائجها لم تظهر بصورة كاملة حتى الآن.
أسعار الوحدات تختلف حسب المشروع وطريقة السداد
تحدث البستاني عن وجود وحدات عقارية تصل أسعار بعضها إلى مئات الملايين، موضحًا أن هناك شاليهات يصل سعرها إلى 400 مليون جنيه، كما توجد وحدات يصل سعرها إلى 500 مليون جنيه، إلى جانب فيلات تطل على الشاطئ وتتميز بمواقعها.
وأشار إلى أن هذه الأسعار تستهدف شرائح لديها القدرة على الشراء، بينما تتوفر أمام المواطن العادي خيارات أخرى، مؤكدًا أن محدودي الدخل يحتاجون إلى دعم الدولة والمبادرات، في حين توجد خيارات مختلفة لمتوسطي الدخل.
وضرب مثالًا بأسعار شهدها خلال معرض في بني سويف قبل عدة أشهر، حيث بلغ سعر متر الشقق في بني سويف الجديدة نحو 11 ألف جنيه، بينما وصل سعر المتر في أحد الكمبوندات بأسيوط إلى 34 ألف جنيه، مع سداد 10% والتقسيط على ثلاث سنوات.
وأوضح أن سعر المتر في أحد الكمبوندات بهليوبوليس الجديدة قد يصل إلى 25 أو 30 ألف جنيه مع التقسيط على سبع سنوات، بينما تتراوح الأسعار في منطقة بيت الوطن بالقاهرة الجديدة بين 25 و30 ألف جنيه للمتر مع التقسيط على خمس سنوات.
لماذا يختلف سعر الكاش عن سعر التقسيط؟
أكد البستاني أن التسعير العقاري لم يعد قائمًا فقط على مقارنة أسعار المطورين، وإنما يرتبط بتكلفة المشروع، خصوصًا مع تباطؤ المبيعات.
وأوضح أن السوق يتضمن سعرًا للقسط وآخر للكاش، فقد يصل سعر متر الوحدة التي يتم تقسيطها على 10 سنوات داخل أحد الكمبوندات إلى 70 أو 80 ألف جنيه، بينما توجد شركات في العاصمة تبيع المتر داخل الكمبوند بنحو 35 ألف جنيه.
وأضاف أن دفع 5% أو 10% وتقسيط باقي قيمة الوحدة لمدة 10 سنوات قد يرفع سعر المتر إلى 55 ألف جنيه، لكن هذا الرقم لا يمثل بالضرورة السعر الحقيقي للوحدة، لأنه يتضمن تكلفة الأموال وفترة السداد.
وأشار إلى أن المشتري الذي يسدد نقدًا يمكن أن يحصل على الوحدة بسعر يعادل نحو 50% أو 55% من السعر المعلن بالتقسيط، نتيجة تحمل المطور تكلفة التمويل ومخاطر التضخم أو حدوث تعويمات أخرى خلال فترة السداد الطويلة.
تكلفة البناء والتضخم وراء جانب من خسائر المطورين
أوضح رئيس جمعية المطورين العقاريين أن المطور يحدد سعر الوحدة بناءً على تكلفة الأرض والبناء، بينما تظل تكلفة البناء متغيرة وقابلة للارتفاع بسبب التضخم، خصوصًا أن تنفيذ المشروع قد يستغرق ثلاث أو أربع سنوات.
وأشار إلى تعرض المطورين لخسائر كبيرة خلال الفترات السابقة، لا سيما الشركات التي باعت وحدات قبل التعويمات الأخيرة، عندما كان سعر الدولار نحو 16 جنيهًا، ثم حصلت على الأقساط وفق أسعار ثابتة في الوقت الذي ارتفع فيه الدولار إلى مستويات 50 و70 و80 جنيهًا، أو نحو 75 جنيهًا في السوق الموازية.
كما ارتفع سعر الحديد، وفق ما ذكره، من نحو 16 ألف جنيه إلى 62 ألف جنيه، وهو ما تسبب في خلل كبير لدى المطورين الذين باعوا كامل وحداتهم بأسعار ثابتة، وأدى إلى خسائر لمعظم المطورين خلال تلك المرحلة.
طرح المشروع على مراحل لتقليل المخاطر
قال البستاني إن المطورين يتعاملون حاليًا مع مخاطر تغير التكاليف من خلال عدم طرح المشروع بالكامل للبيع في وقت واحد، وإنما يبدأ المطور ببيع نحو 20% أو 25% من المشروع، ثم يبدأ التنفيذ ويطرح نسبة أخرى.
وبحسب تفسيره، تتيح هذه الطريقة للمطور امتلاك وحدات يمكن بيعها لاحقًا بأسعار جديدة في حالة حدوث تضخم، بما يساعد على تعويض الخسائر التي قد تنتج عن المجموعة الأولى التي بيعت بأسعار سابقة.
ويرى أن هذا الأسلوب يهدف إلى حماية المطور والعميل معًا، مؤكدًا أهمية حماية طرفي العلاقة، وليس المواطن فقط، لأن صناعة العقار أصبحت ذات أهمية للاقتصاد.
مساهمة القطاع العقاري في الاقتصاد
أوضح البستاني أن صناعة العقار تحولت إلى مهنة مهمة خلال السنوات العشر الأخيرة، مشيرًا إلى ارتفاع مساهمتها في الاقتصاد من 7% إلى 14%.
وأضاف أن الدولة تعتمد على القطاع في دعم الاقتصاد القومي، إلى جانب جذب مستثمرين من الخارج واستيعاب أعداد كبيرة من العمالة. كما أشار إلى أن القطاع استوعب عمالة كانت تعمل في ليبيا والعراق، فضلًا عن استيعاب الأشقاء اللاجئين الموجودين خلال تلك الفترة.
قانون اتحاد المطورين لتنظيم العلاقة بين الأطراف
توقع البستاني أن تناقش دورة مجلس النواب المقبلة قانون اتحاد المطورين العقاريين، موضحًا أن الهدف منه تنظيم العلاقة بين المطور والدولة والعميل.
وأشار إلى إمكانية أن يتضمن القانون عقدًا موحدًا أو بنودًا موحدة تضاف إلى العقود، مع مراعاة اختلاف طبيعة المشروعات. ويرى أهمية وجود بنود ثابتة تضمن حماية الطرفين.
وأضاف أن هذه البنود يمكن أن تكون ملزمة بقوة القانون حتى إذا لم يدرجها المطور في العقد، بما يوفر حماية للعميل، مؤكدًا تأييده لصدور قانون اتحاد المطورين العقاريين.
نصائح للمواطن قبل شراء العقار
وجه رئيس جمعية المطورين العقاريين عدة نصائح للراغبين في شراء العقارات، واضعًا الأمان في مقدمة الأولويات.
وأشار إلى أهمية التعامل مع مطور معروف ولديه سجل في التسليمات وكفاءة في التنفيذ، إلى جانب اختيار الموقع المناسب والتأكد من القدرة المالية على سداد الأقساط حتى موعد استلام الوحدة.
كما نصح بعدم الدخول في الاستثمار العقاري بهدف إعادة البيع بعد ستة أشهر أو عام، معتبرًا أن الاستثمار العقاري أصبح مرتبطًا بمدى متوسط وطويل الأجل.
وشدد كذلك على ضرورة دراسة المشروع والعائد المتوقع من شراء العقار قبل اتخاذ القرار، مع إمكانية الاستعانة بخبير عقاري أو مهندس أو محامٍ عند اختيار الوحدة أو إبرام العقد.

